19 - 06 - 2019

موسى جندي صفحة من التاريخ غير الرسمي "للأهرام"

موسى جندي صفحة من التاريخ غير الرسمي

لكل مؤسسة تاريخ غير رسمي بما في ذلك مؤسسة صحفية عريقة كـ" الأهرام ". هذا التاريخ يختلف تماما عن ذلك المطبوع على أطنان الورق الفاخر وعن الأسماء والصور المحفورة على الجدران لتخلد القيادات والمشاهير والإنجازات. وهو تاريخ يكشف عن أسماء وعلاقات و صراعات محجوبة لا يعرف القارئ عنها شيئا . بل وأخبار ومقالات لم تر النور أبدا. وهي بالقطع غير تلك التي ظل يطالعها لعشرات السنين في الترويج للطغاة والتبرير لكل ما أهان الشعب وعذبه.

 ومن  نعم الثورات على الشعوب والمؤسسات أنها تسمح بمراجعة ما استقر وساد بقوة الاستبداد والفساد.. و الاعتياد أيضا. وإذا قدر لتاريخ " الأهرام ـ الذي ولد قبل 135 عاما محافظا في السياسة متحررا في الفكر ـ أن تجري كتابته على نحو مختلف يتجاوز قشور الرسميات، فإنه سيكون على من يضطلع بهده المهمة أن يتطرق الى أناس كالزميل الكبير الراحل الأستاذ "موسى جندي".

 لم يولد " موسى " في " الأهرام" أو يدعى . جاءها وافدا من خارجها . تماما مثل كثيرين غيره. وبما في ذلك من رسخوا لخرافة الانتماء للمؤسسة بالمولد ولاختزال حياة كتابها وصحفييها على هذا النحو. جاء من القسم الخارجي بجريدة الجمهورية في نهاية عقد السبعينيات. وسرعان ما قاد من موقع سكرتير تحرير مجلة " الأهرام الاقتصادي " واحدة من أهم تجارب منابر الرأي في الصحافة المصرية. وشارك مع المرحوم الدكتور " لطفي عبد العظيم " في فتح أوسع نافذة لحرية التعبير في زمن صعب شغل السنوات الأخيرة للرئيس " السادات " والأولى لسلفه "مبارك ". وقتها كانت النوافذ في صحف المعارضة يجرى إغلاقها أو تحطيمها، ثم اعادة فتحها على استحياء ومن غير ثقة في دوام الهامش المتاح الممنوح. وهذه المرحلة في الحياة المهنية للأستاذ " موسى" و"الأهرام" والصحافة المصرية انتهت قسرا مع إيقاف نشر حملة الاختراق الأجنبي" وصف مصر بالأمريكاني " ومطارده فرسانها من كتاب وصحفيين، ومعاقبة من بقى منهم على العهد ومازالوا. وهو مؤشر مبكر على حقيقة ديمقراطية " الليبرالية الجديدة " في عهد "مبارك " ورجال أعماله وإعلامه وتحالفاتهم مع اليمين الخليجي والأمريكي.

 بعدها دخل الأستاذ "موسى" إلى نفق مواجهات لا تتوقف مع السلطة في المؤسسة والدولة، وناله الكثير من العنت والاضطهاد.. وكذا خيانات الزملاء والأصدقاء والرفاق . لكن يرجع الفضل إلى هذه المواجهات في تقديم أفكاره المهمة حول الصحافة والمجتمع وممارساته المتسقة مع ما يعتقد ويقول. ومحور هذه الأفكار والممارسات يتلخص في دفاعه النبيل عن روح هذه المهنة .. أي الاستقلالية والنقد الموضوعي وفي شجاعته وأدبه الجم . لم يكن ليتناول أيا ممن اضطهدوه و نكلوا به وحاصروه بلفظ خارج . ولم يسمح لنفسه أبدا ـ أن يكتب أي كلمة نقد ـ على جرأة ما كتب ـ إلا ووقعها باسمه ووزعها بنفسه. ولم يكن أبدا من مدرسة البيانات أو المنشورات المجهلة. 

 وفي كل ذلك، كان المدافع  عن ضمانات حرية وأمن الصحفي في مواجهة الإرهاب السياسي و الإداري. وخاض ببسالة وبأخلاقيات الفارس المعركة تلو الأخرى ضد تفشي الخلط بين الإعلان والتحرير وعمل الصحفيين بالإعلانات وكمستشارين وموظفين لدي رجال الأعمال والسفارات. وفي أكثر من مناسبة بدا وكأنه طائر ذبيح يغرد بمفرده، فيما سادت في عهد " مبارك " كل القيم التي تهدم احترام مهنة الصحافة ورسالتها واستقلاليتها، وطفا على السطح رجالها عديمي الخلق محدودي الكفاءة. 

 جاهر برأيه الحر ضد استيلاء رؤساء مجالس إدارة وتحرير الصحف على نقابة الصحفيين بالمخالفة لأبسط قواعد ومنطق العمل النقابي وديمقراطيته وضد إغراق جدول النقابة بغير الصحفيين. وكانت أسئلته البسيطة المنطقية في أعين جيوش من الصحفيين الذين اختيروا للطاعة والنفاق ولإعلاء الأسوأ تبدو غريبة صادمة ومستفزة. فكيف ـ كما ظل يقول ـ يمكن لممثل المالك ولصاحب الثواب والعقاب في المؤسسة الصحفية أن يمثل جموع الصحفيين العاملين بأجر؟، كيف يعاقب وكيف يدافع معا فيصبح " دكتور جيكل و مستر هايد " في الوقت نفسه ؟. وكيف للصحفيين أن يشتغلوا بالإعلانات بالمخالفة للقانون ولميثاق الشرف الصحفي ولأبسط قواعد المهنة التي تحفظ استقلاليتها و كرامتها وحقوق القراء ؟. وكيف يترشح لموقع نقيب الصحفيين وأعضاء مجالسهم من أفسدوا المهنة وأساءوا لها وأرهبوا الصحفيين من أصحاب الروح المستقلة ودفعوا بهم الى معاناة القمع والفقر؟. 

 لعل أقسى ما واجهه "موسى" قبل محنة المرض والموت في 25 مايو 1998 محاصرا ممنوعا من دخول صحيفته ومحروما من حق " الميت " في أن يعزى فيه زملاؤه هو خيانة الرفاق المثقفين المستأنسين في صفوف اليسار والحركة الوطنية الديمقراطية. أولئك الذين ارتضوا التواطؤ مع نظام سياسي صحفي مستبد فاسد والتحالف مع رموزه في المهنة والمؤسسة والنقابة مقابل " استثناء" المال والمناصب وفرص النشر. ومن هؤلاء من قتله ألف مرة بالتجاهل، بل وبالمشاركة في التنكيل به والشهادة زورا ضده أمام الإدارات القانونية والمحاكم.

قبل ثورة 25 يناير بأسابيع معدودة الح الأستاذ "موسى جندي" على الخاطر، فأهديت مقالا نشرته بعنوان "مكرم نقيب حظر نشر" في موقع جريدة " البديل" الإلكتروني ثم في جريدة " العربي" المطبوعة الى روحه الكريمة. زرت أسرته كي أحصل على صورة شخصية له، فأبكتني ابنته "منى" حين قالت فجأة بتلقائية :" تصور .. بعتنا للأهرام تنويها بوفاته وموعد ومكان العزاء فلم يعلق في المؤسسة إلا بعدها". حينها تذكرت أن الزملاء الأعزاء في المؤسسة العريقة تخلفوا ـ إلا نفر معدود على أصابع اليد الواحدة ـ عن واجب العزاء في واحد من أكثر كتاب وصحفيي " الأهرام " تميزا واستقلالية وإخلاصا للمهنة في العقدين الثامن والتاسع من القرن العشرين . 

مر "موسى" كشهاب في " أهرام " وصحافة مصر الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. كانت سنوات المنع من النشر أكثر من سنوات السماح . لكنه بتميزه واستقلاليته واعتزازه بحرية الصحفي وكرامته وإخلاصه لحقوقه وواجباته، ترك أثرا يعادل جيلا بأسره . كما ترك لنا مجموعة مقالات تعد مدرسة في العمل النقابي وفي آداب مهنة الصحافة، فضلا عن كتاب غير منشور بعنوان " المثقفون والحرب : صراع حول الذاكرة "، من شأنه أن يثير جدلا خلاقا عندما يرى النور رغم مضي كل هذه السنوات. 

 وهكذا .. إذا ما أريد كتابة تاريخ " الأهرام " على نحو أكثر موضوعية و احتراما للعقل و الضمير الإنساني والمهني، فإن علينا أن نأخذ في الاعتبار أيضا هؤلاء النبلاء الثوار.
----------------------
بقلم: كارم يحيى 

مقالات اخرى للكاتب

آخر زيارة للسفير إبراهيم يسري

أهم الأخبار

اعلان